samba abd dayem chatt

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى على محمد و ال محمد
احببت ان ارحب بكل زائر و زائرة باسمي و اسم كل عضو بالمنتدى
و نقول لكم
حللتم اهلا و نزلتم سهلا
ان شاء الله يكون المنتدى قد نال اعجابكم
و اذا كان كذلك
لا تترددوا سجلوا فورا
و شاركونا
نتمنى لكم جولة موفقه
بالتوفيق و نسألكم الدعاء
samba abd dayem

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

samba abd dayem chatt

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلى على محمد و ال محمد
احببت ان ارحب بكل زائر و زائرة باسمي و اسم كل عضو بالمنتدى
و نقول لكم
حللتم اهلا و نزلتم سهلا
ان شاء الله يكون المنتدى قد نال اعجابكم
و اذا كان كذلك
لا تترددوا سجلوا فورا
و شاركونا
نتمنى لكم جولة موفقه
بالتوفيق و نسألكم الدعاء
samba abd dayem

samba abd dayem chatt

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى منكم واليكم اخوتي الكرام  لإبداء آرائكم وتعاليقكم في كل ماهو جديد

مرحبا بكم في القسم الجديد خواطر فنية التي اخطها بقلمي والتي ستتحدث بجرأة تحليلية موضوعية بعض الخفايا والهوامش التي قلما تناقش في اللقاءات والمنتديات الفنية على صعيد الاعلام ماساكتبه يعبر عن قناعتي ورأيي الشخصيين .مما يجعله قابلا للنقد وهذا الامر متاح لجميع الأعضاء في ردودهم في حدود الالتزام ببرتكول الحوار وهكذا في الاخير سنكون قد تبادلنا المعرفة وطرحناها على المتلقي بشكل ثقافي محض

المواضيع الأخيرة

» السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالسبت 20 أغسطس 2011, 00:29 من طرف samba

» معنى الصلاه على النبى صلى الله عليه وسلم؟
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالسبت 20 أغسطس 2011, 00:24 من طرف samba

» *** إلى أي مدى يمكن للمجتمع أن يحدد حرية الفرد ؟؟؟
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالخميس 18 أغسطس 2011, 18:52 من طرف samba

» علاقة اللغة بالفكر
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالخميس 18 أغسطس 2011, 18:50 من طرف samba

» المشكل الأخلاقي:
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالخميس 18 أغسطس 2011, 18:34 من طرف samba

» مدخل إلى فقه الأقليات
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالخميس 18 أغسطس 2011, 17:14 من طرف samba

» لماذا لا يتحد العرب؟
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالخميس 18 أغسطس 2011, 17:06 من طرف samba

»  أولاد أبي السباع
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالإثنين 21 فبراير 2011, 15:24 من طرف samba

» نكة منوعه
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام   Emptyالأربعاء 16 فبراير 2011, 21:27 من طرف samba

التبادل الاعلاني

التبادل الاعلاني


    النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام

    samba
    samba
    Admin


    عدد المساهمات : 75
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 07/02/2011
    العمر : 38
    الموقع : abddayem.yoo7.com

    default النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام

    مُساهمة من طرف samba الجمعة 11 فبراير 2011, 19:56

    تقديم

    أما العلم التجريبي، وإنجازاته التكنولوجية، فإن كل البلاد الغنية، من مسلمين وغير مسلمين تستطيع نقلها ونقل منتوجاتها ...

    إنما حاجة العالم الإسلامي الماسة، هي بالدرجة الأولى إلى بعث العقلية العلمية، والمنهجية في التفكير، في كل شؤون الحياة الدنيا، وعلى وجه الخصوص في مجال العلوم الإنسانية مطلوب تحديث علوم الاجتماع والتاريخ والفلسفة، وتاريخ الأديان وعالم الأديان المقارن، وعلم التفسير على وجه الخصوص.. هذا هو المحك الحقيقي لتجربة الحضارة..
    أما إقحام إنجازات العلوم البحتة، في التفسير، وطرح ما يسمى التفسير العلمي للقرآن، فهذا أمر آخر... وحتى يمكننا أن نطرح بعض التساؤلات حول ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن الكريم.. وطرح السؤال خصوصاً حول الهدف و المنهج.. كان لابد من مرور سريع بقضايا ومدارس أخرى في علم تفسير القرآن.

    مدخل

    إن المتابع لحركة العقل الإسلامي، وتوجهاته، يرى بوضوح أن ثمة تناسباً طردياً بين إرتفاع حدة الأزمات، في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وبين نوع من التعامل مع الإسلام، أو بشكل أدق مع القرآن الكريم، النص المؤسس للإسلام وحضاراته.

    فكلما سدت الأبواب، واستحكمت الأزمات، توجه المسلمون إلى المحور الأساسي لدينهم، وهو القرآن، محاولين استنطاقه، بشكل أو بآخر، علّه يرد على احتياجات الظروف القاسية، التي يعيشونها.
    ويلاحظ المراقب لهذه التوجهات، التي تسلكها الأفراد والجماعات، معالم تيارين أساسيان، في عالم الفكر، أو قل في عالم هذا النوع من الخطاب:

    الأول: تيار يتمثل في توجه يمثل ما يسمى: تحديث الإسلام، البحث عن تحديث الإسلام، أو تجديده، والتحديث أو التجديد هنا، لا يعني قط البحث عن إسلام آخر، أو عن تغيير أصول العقيدة لتتطابق مع الحداثة، كما قد يتوهم الكثيرون، ولا يعني محو هوية المسلم أو المساس بها، وإنما يعني أن يتبنى الباحثون و العلماء والمفكرون المسلمون المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية على وجه الخصوص، لتطبيقها على موضوعات بحوثهم ودراساتهم، وأن يعلو مكان العقل، والحيدة، والموضوعية في ممارسة البحث في هذه الموضوعات.

    والآخر: تيار يتمثل في توجه يسير موازياً للأول ويطرح ما يمكن أن يسمى، أو كما يسميه البعض فعلاً، " أسلمة الحداثة"، أي أخذ كل ما ينتج العقل العلمي والتقني على وجه الخصوص، في شتى المجالات، خارج بلاد العالم الإسلامي، ومن عند غير المسلمين، أو غير المؤمنين على الإطلاق، وطبع هذا المنتج بطابع الإسلام، أو إمهاره بخاتمه.

    فيكثر الحديث عن الكيمياء الإسلامية، والطب الإسلامي بل والأدب
    الإسلامي..إلى غير ذلك مما يعين على ذلك، التقدم الفائق في وسائل الاتصال، وغنى الكثير من بلاد الإسلام اقتصادياً، واستيراد أكثر منتجات العلم وانتشارها بشكل يوحى بالرفاهية، وينسى الفرق بين منتج الحضارة ومستهلكها. ويتوازى هذان التياران في العالم الإسلامي في محاولات للإجابة عن السؤال القديم، الذي ظهر إلى الوجود من عهد سقوط الحضارة الإسلامية، واستسلام العقل الإسلامي وخلوده إلى الدعة، وظهور عصر النهضة في الغرب وانتشار التقدم العلمي والتقني على وجه الخصوص. ذلك السؤال الذي لم يتوان المسلمون عن توجيهه إلى أنفسهم، ولم يتوان الآخرون عن توجيهه للمسلمين: لماذا يتقدم الآخرون، ويتخلف المسلمون؟

    الذي لا شك فيه أن سلوك النهج الأول، نهج تحديث الفكر والعقل الإسلامي، يتطلب نهضة شاملة متكاملة، في شتى مناحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والفكرية، والفنية.. بل والحياة الروحية كذلك.. كل هذا في آن واحد.

    فإن مظاهر الحضارة، مثل نظرية الأواني المستطرقة، تنتشر في الوقت ذاته، في كل المستويات، وبنفس الدرجة، أو بدرجات متقاربة على الأقل، فلا يمكن تصور الازدهار في جانب واحد، وقلته أو انعدامه، في سائر الجوانب، النهضة تأتي كلها، أو تغيب كلها، والمصائب لا تأتى فرادى. إن تاريخ المسلمين هو تاريخ جماعات إنسانية بشرية وليس تاريخ أنبياء، ولا معصومين، ولا ملائكة. وإن إتساع محتوى آيات القرآن، وتعدد معانيه، وغنى أعماقه بالدلالات وبالمعاني، قد يساعد على البحث والتقصي وتعدد المطروح من رؤى ومناهج، ولكنه كذلك قد يصبح سلاحاً ذا حدين أو ذا حدود متعددة، فهو قد يتخذه قصيرو النظر، والمتزمتون، وأصحاب الأيديولوجيات مدخلاً أو مداخل لاستنطاق النص بما قد يحتمل، وبما قد لا يحتمل على الإطلاق.
    ولا يستطيع عاقل أن يقول بأن الدين بطبعه معاد ومناقض للعلم وللبحث العلمي وقوانينه، سواء في ذلك الدين الإسلامي أو غيره، أما نص القرآن الكريم وهو المحور الأساسي الذي يدور حوله الإسلام وعقائده وعباداته، فهو أبعد ما يكون عن مناهضة العلم، بل يدعو صراحة وضمناً إليه، إلى النظر، والبحث " قل سيروا في ملكوت السموات والأرض فانظروا".
    ولكن التاريخ قد سجل كثيراً من وقائع الصراع بين المعسكرات الدينية المتزمتة، وبين من خالفوها في الرأي من رجال العلم والفلسفة, وإن تاريخ الكنيسة في أوروبا حافل بسجل من الجرائم ارتكبت باسم المسيحية وباسم الإيمان في حق العقل العلمي والفلسفة، ارتكبها متزمتون تستروا وراء الدين، واحتموا خلفه لدحض خصومهم العقلانيين، مع أن الدين من أخص خصائصه، أنه يدعو إلى الحب، وإلى التسامح، ويبعد عن الحقد والانتقام.
    وقد تعرض بعض الفلاسفة والمفكرين في تاريخ المسلمين للاضطهاد بسبب بعض أفكارهم، فهناك محنة الإمام أحمد بن حنبل، ومحنة ابن رشد، وإن كان ذلك لم يحدث في سياق رفض العلم التجريبي، الذي فتحت له كل الأبواب في تاريخ ازدهار الحضارة الإسلامية..حيث لم يضطهد باحث في الطب و لا في الفلك، ولا في الكيمياء، بحجة أن الدين يحرم ذلك.. وإن صودرت وأحرقت كتب في الفلسفة وفي المنطق.. ولذلك لم يكن مفكرو الإسلام في حاجة إلى الدفاع عن الجانب العلمي البحت، بل كان كبار أهل النظر في العلوم الإنسانية، وفي الفلسفة على وجه لخصوص، علماء في الطب والرياضيات والموسيقى والفلك. ولم يعرف أن الإمام الغزالي قد حمل على رجال الطب والعلوم البحتة، وإن عرف عنه الهجوم على الفلاسفة، في كتابه المشهور "تهافت الفلاسفة"، ذلك المؤلف الذي يقرؤه المسلمون أكثر مما يقرؤون رد ابن رشد عليه في كتاب "تهافت التهافت"، وفي كتاب "فصل المقال..".

    ولذلك فعندما انفتح باب التفسير، توالت قبل الطبري، وبعده توجهات تفسير القرآن ومدارسه، من توجه يهتم اللغة، وآخر يهتم بقضايا القصص القرآني والتاريخ، وثالث يهتم بقضايا التشريع والفقه، ورابع بقضايا البلاغة و البيان، حتى إذا حدث توقف العقل الباحث الحر في حياة المسلمين، وتحول المسلمون إلى خنادق الدفاع، بدأت إذ ذاك أصابع الاتهام، التي تأتت بالذات عن أوربا المتقدمة بالثورة الصناعية والمستعمرة لبلاد الإسلام والتي تصف المسلمين بالتخلف، وترد ذلك إلى كون الإسلام ضد العلم وضد العقل العلمي..

    هنالك ظهر إلى الوجود خطاب جديد، يعكس بصورة خاصة محاولات الإجابة عن ذلك السؤال الصعب: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟

    فيحاول الأفغاني ومحمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر، الرد على "رينان" و "هانوتو" في فرنسا، وعلى فرح انطون في الشرق، بل في مصر.. التيار الذي قاد إلى ظهور المدرسة الدفاعية الإصلاحية، التي وضع لبناتها الأولى، الأستاذ الإمام محمد عبده ( ت 1905).
    ومع محاولات هذه المدرسة إجراء الحوار الصعب للدفاع عن روح الإسلام، وبأن القرآن لا يتنافر و لا يتناقض قط مع العقل العلمي ولا مع الحداثة..اتجه محمد عبده إلى داخل حياة المسلمين بالنقد، وبالبحث وبالمراجعة، فتدخل في حصر ما يقٍرأ المسلمون من كتب، بعيدة عن العقل وعن العلم، ونادى بإصلاح شامل للتعليم، وبالارتقاء باللغة العربية واتخذ في ذلك خطوات ملموسة وحيوية.. ودعا إلى تطوير التعليم في الأزهر. وعاد تلاميذه إلى هذه النقطة بالتحديد حتى تحقق تحديث برامج التدريس في الأزهر، متمثلاً في قوانين إصلاح الأزهر سنة 1961م، لتكوين أزهريين يجمعون بين التراث والتجديد، بين الأصالة والحداثة.
    ومحمد عبده لم يكن مجرد مصلح بالمعنى القريب، والسطحي للكلمة، أي لم يكن يحاول خلق تناغم بين منطق الإسلام وبين الحداثة فقط، وإنما كان يرى أن من أصول الإسلام النظر العقلي لتحصيل الإيمان، وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند ظهور التعارض ويدعو إلى البعد عن التكفير ( فإذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر! ) ثم إلغاء السلطة الدينية، فليس لأحد بعد الله سلطان، والخليفة ليس موضع عصمة و لا مهبط وحي..
    كانت هذه _ في رأينا _ وما زالت حاجة المسلمين الملحة، وضرورة من أخص الضرورات لأن تترسخ وتستقر فيهم، لتحكم حياتهم العقلية والروحية كلها.. وليس القفز على كل إشكاليات الواقع الأليم ومناقشة النص القرآني واستنطاقه حول الطب والهندسة والكيمياء وكشوف العلم البحث، التي لم يحرمها القرآن قط، ولا كانت مشكلة حياة المسلمين.
    وبما أن الحديث عن تفسير القرآن، فإن مدرسة "المنار" تمثل ولا شك خطوة جديدة أو رؤية أصيلة لم يسبق إليها الأستاذ الإمام. فلقد واجه محمد عبده التفاسير السابقة أو واجه التراث التفسيري كله بعقلية نقدية، وحاول أن يحدد ملامح المفسر الجديد.
    ويرى كثير من النقاد اليوم أنه لم يراجع المنهجية التراثية السلفية، التي ينبغي أن تتركز عليها القراءة الحديثة وأن "الجهود الإصلاحية التي بذلت، لم تسجل تطوراً نوعياً في الجيل الأول من الرواد، ولا فيما جاء بعده من أجيال".
    ورغم أن باحثاً كبيراً مثل احميدة النيفر يقول بأن محمد عبده " واصل اختيار أستاذه الأفغاني الهادف إلى تنقية العمل التفسيري مما علق به من خرافات واستطرادات نحوية، وأحاديث موضوعة، وجدل المتكلمين واستنباطات الفقهاء والمقلدين" على أهمية ذلك كله.. رغم ذلك فإن النيفر لا يكمل و لا يستمر في نقد هذه المدرسة حتى الجيل الثاني والثالث. ليرى كيف أن ثمار مدرسة المنار، التي استمرت وتطورت، قد أحدث نقلة نوعية كبرى، ظهرت واضحة في مدرسة التفسير التي أسسها الشيخ أمين الخولي، والتي تسمى "مدرسة التفسير البياني" أو المدرسة الحديثة.:


    المدرسة الحديثة في تفسير القرآن


    ترجع بدايات تأسيس مدرسة التفسير البياني للقرآن إلى النصف الأول من القرن العشرين، على يد الشيخ أمين الخولي، الذي كان قد تخرج من مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة، سنة 1920 . وقد قام بتدريس الأدب واللغة العربية في المدرسة ذاتها. ثم حدث في حياته الثقافية والعقلية تغير أثر تأثيراً بالغاً وبيّناً في حياته الفكرية والعلمية، فقد اختير سنة 1923 إماماً للبعثة الدراسية المصرية في إيطاليا، ثم في ألمانيا، حيث تعلم اللغتين الإيطالية والألمانية، مما يسر له قراءة دراسات عدد كبير من المستشرقين المهتمين بالدراسات الإسلامية. على أن ما يهمنا هنا، هو عودة الشيخ أمين الخولي للوطن سنة 1927، للتدريس في كلية الآداب بالجامعة المصرية، تلك التي تعتبر تقريباً أول جامعة علمانية ( بالمعنى الإيجابي ) في بلاد العالم الإسلامي، أو من أوائل الجامعات على الأقل، ونقصد بالعلمانية هنا، الجامعات التي لم تنشأ لغرض الدراسات الدينية الملتزمة والتقليدية، مثل القرويين والزيتونة والأزهر والنجف وغيرها.. وقد بادرت هذه الجامعة، فور إنشائها ( حوالي 1908 ) بضخ روح جديدة في عروق الدراسات الفكرية، الإسلامية بصورة خاصة،حيث يسجل لها في ذلك الإطار، إنشاء قسم الفلسفة الإسلامية، وإسناد تدريس هذا العلم إلى الشيخ مصطفى عبد الرازق، الذي سيكون دوره هو وأخوه الشيخ علي عبد الرازق معروفاً، علامتين بارزتين على طريق الدراسات الإسلامية الجديدة في نوعها ومنهاجها.

    وقد رأس الشيخ أمين الخولي قسم اللغة العربية، واللغات الشرقية، بكلية الآداب، في هذه الجامعة الفتية. ونهض لتأليف كتاباً قيماً في " مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير"،نشر سنة1961 م، ثم كتب في دائرة المعارف الإسلامية فصلاً عن تفسير القرآن، قبل أن يتم إبعاده عن التدريس في هذه الجامعة.

    على أن السؤال الذي كان يطرح نفسه بالقياس إلى خيار التفسير "البياني" الذي أعتمده الخولي في محاولته التجديدية لفهم القرآن الكريم هو :أو لم يدرس السابقون مجال البيان والبلاغة القرآنية؟ أو لم يتكلموا ويفيضوا في الحديث عن الإعجاز البلاغي، ودلائله؟ ورد الخولي كان أن ما كتبه الأوائل في هذا المجال، ينحصر غالباً في إطار بدايات وغايات الدفاع عن القرآن وعن الإسلام. والتي لا يعتبرها عقلية علمية خالصة، تدخل من باب العلم، وتلتمس كيان البلاغة القرآنية لذاتها؟ وتجعل نص القرآن يخرج ما فيه هو، وكما هو؟ أو ليست العقلية الدفاعية تسقط، عن وعي، أو عن غير وعي في الدائرة العقلية والفكرية لخصومها، إذ تتكلم بلغتهم وبمفرداتهم، وتنشغل، كلياً أو جزئياً بأهدافهم الهجومية، التي قد لا تتسم تماماً بالعلمية؟ على أن ذلك بالنسبة له لا يلغي لا أهمية المدارس القديمة في هذا المجال، وإنما يجب ألا يظل العقل الإسلامي واقفاً أمامها موقف المكرر، المردد. بينما عالم الفكر من حولها لا يتوقف عن الحركة الدائبة القلقة، المتقدمة دائماً إلى الأمام.

    وإذا كان مفهوم الإصلاح يختلف عن مفهوم التجديد، فإن مدرسة "المنار" التي نشأت، في ظل الحوار مع الآخر، وهنا يجب العودة إلى تفاصيل حوار الأفغاني ومحمد عبده مع "ارنست رينان" و "هانوتو" و "فرح أنطون" و "بلنط" و "لورد كرومر" في إطار، الإسلام والتقدم، أو المسلمون والتخلف فإن ملامح عقلية دفاعية لنفي تهمة التخلف أو سبب الجمود عن الإسلام، وعن القرآن نصاً مؤسساً للإسلام، رغم أهمية ما رفعه الأستاذ الإمام من مبادئ حيوية وضعها على طريق التفسير القرآني تظل كامنة بشكل ما، في المنهج الإصلاحي في التفسير. أما مدرسة التجديد أو التحديث التي حمل لواءها أمين الخولي ومدرسته، وتلاميذه من بعده، فمنطقها مختلف تماماً.. لذا كان اهتمام الخولي بأن يعرج على مدرسة "المنار" بالدرس والنقد، فإنه وهو يرسي دعائم منهجه البياني الجديد، قد شدد على أن فكر المنار في حاجة إلى الدرس، وإعادة التقييم، ثم التجاوز، ولكنه، أي الخولي، لم يستمر في دراسة دقيقة تفصيلية تحليلية و نقدية. للبحث في منهج مدرسة المنار. بل أن منهج هذه المدرسة لم يحظ بدراسة كاملة وافية وموضوعية من جميع جوانبه، ربما حتى اليوم. وقد لاقت مدرسة البيان _ للأسف_ المصير ذاته وربما أسوأ منه ولم تأخذ حظاً من الدراسة والتحليل والنقد لمنهجها بالذات، وتم القفز عليها، وسحقتها توجهات أو مدارس أخرى، لا ندري هل نسميها جديدة، أم نسميها عودة إلى المدارس التاريخية التقليدية؟! لخص أمين الخولي رأيه في مدرسة محمد عبده "المنار" بأن مقصد المؤسس الأصلي هو "الاهتداء بالقرآن" وهو مقصد جليل، ولا شك يحتاج إليه المسلمون، ولكنه ليس الغرض الأول و لا الأبعد للتفسير. ومن رؤية تحليلية لنهج الإصلاح عند الأستاذ الإمام، ولنهج التحديث عند الشيخ الخولي يمكن أن يلاحظ شئ من "الاختلاف النوعي" ولكنه الاختلاف الذي لا يصل إلى درجة التناقض، ولا إلى درجة التبادل أي ضرورة إلغاء أحدهما الآخر. فحاجة المسلمين إلى رؤية مدرسة البيان دائمة ومستمرة، في خط شبه متواز مع رؤية مدرسة التجديد، وإن كانت رؤية التجديد تبحث عن منهجية تحكم علاقة المفسر بالنص وتأتي من داخل النص ذاته، كتاب البيان، الكتاب المبين، الذي يقول ذلك بنفسه عن نفسه. أما رؤية الإصلاح فتأتي من خارج النص بمعايير أو بمصباح خارجي، هو واقع العالم الإسلامي المتردي والمتخلف، في محاولة للموازاة مع العالم الخارجي، أو لمحاولة انسلاكه فيه، والذي يبدو غالباً أو دائماً، سابقاً متقدماً، من نواح عديدة على واقع المسلمين الداخلي. وكلاهما متداخلان، أي الواقع الداخلي للمسلمين، والواقع الخارجي للعالم الإنساني كله، ومن ضمنه عالم المسلمين الذين لا يستطيعون ولا يمكنهم قط الانعزال عن هذا الإطار الكبير.

    وهم في لحظات ازدهارهم العلمي والعقلي خصوصاً لم ينفصلوا عن قوانين هذا العالم الأوسع الذي ينتمون إليه، وهم عندما أخذوا منه وأعطوه كذلك فيما بعد، كانوا يدركون أن الحضارة الإنسانية سجال مستمر، لا يتوقف، ومن ينعزل عنه يسحق تحت أقدامه السائرة إلى الأمام. ورؤية أمين الخولي التجديدية تدعو المفسر الجديد إلى عدم التوجه للقرآن بأسئلة جاهزة معدّة سلفاً، يحاول استنطاقه بها، لأن هذا التوجه كما يقول الخولي: " يخرج القرآن عن وضعه، ويناقض الحكمة الإلهية،والغرض من وصله بحياة الدنيا والدين ".1 ويتضح إذا أن دعوة الشيخ الخولي إلى تجديد مناهج النحو والبلاغة والأدب والتفسير هي في باطنها، ولكن بشكل مباشر أو قريب من المباشرة، دعوة إلى تجديد مناهج التفسير ذاته. فهذه العلوم نشأت في ظل النص القرآني، وتظل بينها وبينه علاقة جدلية أزلية. وهو في ذلك الصدد يدعو كذلك إلى أهمية الاستفادة من علمين لم يعرفهما بشكلهما المعاصر المتطور، السابقون من المفسرين خاصة، وعلماء الإسلام عامة، وهما علم الاجتماع..وعلم النفس.

    وما زالت رؤية المعاصرين أو أكثرهم لولوج عالم التفسير رافضة في أغلبها، أو شبه رافضة للنظر في هذين العلمين، اللذين يتسلح بهما كثيراً المتخصصون، في دراسات الإسلام والقرآن في أوروبا والعالم الغربي، خصوصاً، من غير المسلمين غالباً، وهذا أحد أسباب التصادم، أو الرفض المتبادل، أو عدم الالتقاء بين هؤلاء وبين أكثر من يكتب عن القرآن والإسلام والمجتمعات الإسلامية من داخل هذه المجتمعات، فكل يتكلم لغة غير لغة الآخر، ويتبع منهجاً غير منهج الآخر، ويستخدم مفردات غير مفردات الآخر، ثم هو يستخدم _وبالدرجة الأولى _ مصطلحات غير مصطلحات الآخر. وليس أكثر ما ينتج من دراسات حول الإسلام، والقرآن في جامعات أوروبا خاطئاً، ولا غير موضوعي، ولا غير علمي.. كما أنه لا يحمل دائماً، كما يظن روح العداء. وليس أكثر ما ينتج من دراسات حول الإسلام والقرآن، في العالم الإسلامي اليوم، هو الصحيح المثالي النموذجي، وليس إدعاء الارتباط بالإسلام ارتباط إيمان به، ليس ذلك وحده كافياً لإنتاج بحوث علمية وموضوعية.

    كيف يعرف صاحب مدرسة "التفسير البياني" القرآن؟ ما هي خصائصه؟
    : " إن القرآن كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الأعظم، فهو الكتاب الذي أخذ العربية، وحمى كيانها، وخلدها فصار فخرها، وزينة تراثها.. تلك صفة للقرآن يعرفها العربي، مهما اختف به الدين، أفترق به الهوى، ما دام شاعراً بعربيته، مدركاً أن العروبة أصله في الناس، وجنسه بين الأجناس، وسواء كان العربي بعد ذلك مسيحياً أم وثنياً، أم كان طبيعياً دهرياً، لا دينياً، أم كان المسلم المتحنف،فإنه سيعرف بعروبته منزلة هذا الكتاب في العربية، ومكانته في اللغة، دون أن يقدم ذلك على شئ من الإيمان بصفة دينية للكتاب، أو تصديق خاص بعقيدته فيه".2 هناك إذا فرق منذ البداية في شكل التوجه للقرآن، أو في الاعتراف بتعدد أشكال التوجه إليه.

    ولابد هنا أن نستدرك ونبين أن عربية القرآن، أو عروبته، وعربية المتوجه إليه أو عروبته تعني عند الشيخ أمين الخولي، عروبة اللسان، لا أكثر و لا أقل.

    ولذا نجد أكثر سمات التوجه للنص القرآني اليوم تنحصر إما في استنطاقه لتبيين الحلال والحرام، فالتوجه هنا فقهي فحسب. ومن هنا لن يكون للجانب البياني الأهمية الأولى، وإما في استنطاقه بأيديولوجية سياسية اجتماعية،كتفسير ظلال القرآن، وإما في استنطاقه للعلم والبحث العلمي التجريبي، " كتفسير الجواهر" أو كما يحدث اليوم مع دعوات التفسير العلمي والإعجاز العلمي.إن هذا التوجه أو ذلك يكون من البداية محدداً بلون مسبق، وبرؤية مسبقة، وهو يركز عليها وحدها، فهي همه الأول، هذا إذا لم يحقر من شأن الألوان الأخرى والرؤى الأخرى، وإذا لم يتجاهل خصوصاً جانب اللغة والبيان، إذ هو يتناسى سائر ما يحتويه النص من أعماق متعددة. إن جانب البيان لا يعد لوناً مسبقاً ولا أداة خارجية عن النص، ولا هدفاً في ذاته، ولكنه أساس أولي ومركز رئيسي في نص القرآن من داخله، ويكمن خلاله المجاز الذي يوسع الكامن خلف الظاهر المعلن، أو لا يقول القرآن عن نفسه إنه "بلسان عربي مبين"3وبأنه "بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين".4 أو لا يقول عنه الإمام علي بن أبي طالب:

    "إن القرآن حمال أوجه" وأنه "سطر بين دفتين لا يتكلم وإنما ينطق به الرجال"....

    و إتباع هذا المنهج البياني في التفسير سيكون له ولا شك وقع، أو دور في :

    أولا: فتح المغاليق، وتنوير الأعماق المتعددة للنص المقدس وتسليط الضوء أو الأضواء عليها، على عدد كبير منها، لا على عمق واحد، أو جانب واحد، فالنص بلا أدنى شك متعدد الأعماق، بل لا متناهي الأعماق، كثير الكوامن، وهذا في رأينا أكبر أسباب قدسيته وخلوده. ثانياً: في حال الرجوع إليه، سوف يساعد على تصحيح ما وقع فيه مفسرون قدماء، بل ومعاصرون من تحديد دقيق، أوحد، لمرمى من مراميه ومقصد من مقاصده.. حتى لا نقول ما وقعوا فيه من أخطاء.. ما زالت تطارد جماهير المؤمنين بالقرآن، وتسلط على عقولهم تحديداً ثابتاً واقفاً، لا يتطور بتطور الزمان، ولا يتغير بتغير نتائج البحث في العلوم الإنسانية، وربما غير الإنسانية. ما زالت التفاسير الإيديولوجية متسلطة، سائدة في الخطاب الديني، أو الخطاب حول القرآن بالذات، يقول بها الكثيرون على اختلاف مشاربهم من علماء وأشباه علماء، اتفقوا وتأكدوا حتى أصبحت هذه التفاسير المتراكمة بديهية أو شبه بديهية تغطي على النص المؤسس الأول وتلهي عن النظر فيه.. ونحن عندما نقول المفاهيم والتفاسير الإيديولوجية، نقصدها كلها، وإن كنا نخص في سياق هذا البحث القصير نوعين منها بشكل مخصوص:

    الأول: التفسير الأيديولوجي السياسي، وهو قد تسرب عبر تاريخ سياسي للعالم الإسلامي، عانت فيه الشعوب من ظلم واضطهاد، خلال كبت لغة الحوار السياسي وخنقها، فلم تجد الأرضية الواسعة للشعوب سوى خطاب الوعاظ ورجال الدين التي توجهت إلى هذه الجماهير المتعطشة إلى حديث عن العدالة الغائبة بأن القرآن هو الحل أو الإسلام هو الحل، والقرآن في هذا السياق يحمل ملامح توجه سياسي واضح _في نظرهم طبعا_ وهو الحاكمية الحكم لله.. إن الحكم إلا لله، وليس لهؤلاء الظلمة.. وترسخ هذا الخطاب الشمولي، الذي لم يسمح لنفسه ولم يطالب أتباعه ولو بدراسة تحليلية للجانب السياسي في حياة المسلمين، بشكل نقدي وموضوعي، لرؤية ثماره حين كان مسيطراً في شكل الخلافة.. باستثناء دراسة سريعة وإن كانت رائدة وكان لها سياقها وهي دراسة الشيخ علي عبد الرازق.

    الآخر: هو التفسير "الإيديولوجي العلمي" للقرآن، القرآن والعلم، العلم والقرآن، العلم في القرآن، الطب والفلك والهندسة والزراعة والطبيعة والكيمياء وعلم الأحياء والهندسة والصيدلة والرياضيات والذرة وعلم طبقات الأرض وطبقات الفضاء في القرآن..

    هذا النهج أو هذه المدرسة هو الذي نريد الحديث عنه في هذا المقال، إنه حديث رائج في العالم الإسلامي، العربي منه وغير العربي، كتبت و تكتب فيه الصحف والكتب والدوريات والحوليات، وينتشر بشكل واضح ومركز في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.


    التفسير العلمي للقرآن :

    إن أول من بلور هذا التوجه .. أي أول من أنجز تفسيراً كاملاً للقرآن تفسيراً علمياً، ( بمعنى ربطه بالعلوم البحتة أو التطبيقية )، هو الشيخ الطنطاوي الجوهري، وهو أزهري ولد سنة 1859م وتوفي سنة 1940م، قام بالتدريس في مدرسة دار العلوم بالقاهرة وقد اهتم وكتب عدة مقالات في مجال ما سماه بالعجائب الكونية، وهو قد رأس لمدة من الزمن رئاسة تحرير مجلة " الإخوان المسلمون"5 . ويقع تفسير الجوهري العلمي في خمسة وعشرين مجلداً ويسمى "الجواهر في تفسير القرآن الكريم" ويقوم على فكرة رئيسية ومحددة وواضحة مفادها أن القرآن هو المصدر الأول لمختلف العلوم، ويؤكد الجوهري على أن هذا هو جانب الإعجاز في القرآن، بل ويرفض أن يظل إعجاز القرآن مقتصراً على الناحية البلاغية.

    ورغم أن القراءات التأملية والتفسيرية للقرآن، تؤكد كلها على أن بهذا القرآن كثيراً من الآيات التي تدعو الإنسان إلى التبصر والتأمل في الكون، وفيما خلق الله، ولكن ذلك كان دائماً يعرض بشكل عام وواسع، يبدأ و ينتهي بالدخول من باب التسليم للخالق بكل القوة وكل الإبداع.. فهو بديع السماوات والأرض.

    ولكن خطاب الجوهري لا يقف عند هذا الحد.. إنه يستخدم "المفردات والمصطلحات العلمية، نتائج البحث العلمي والإنجازات التقنية، ويضعها بين الآيات لشرح مفردات هذه بتلك، ويسمي العلوم المختلفة التي لم يتم التوصل إليها، إلا مع بدايات القرن العشرين، وأنها موجودة في القرآن".

    فهل كان الجوهري مخترعاً لهذا المنهج دون مثال سابق؟ هل هو صاحب الفكرة من أساسها؟ إي فكرة ربط القرآن بالعلوم البحتة؟ أو
    ربط العلوم هذه بالقرآن؟ في واقع الأمر كان الشيخ الطنطاوي الجوهري، تابعاً وناسجاً على منوال سابق، بل قديم، إلى حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي، إذ هو يذكرفي كتابه الكبير ذي الأثر الأكبر في حياة المسلمين، "إحياء علوم الدين":

    " أو ما بلغك أن القرآن هو البحر المحيط، ومنه يتشعب علم الأولين والآخرين؟"6 وأن" القرآن يحتوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف إذ لكل كلمة ظاهر . وباطن، وحد وطالع"7

    وقد يرى الباحث في تصور الإمام الغزالي "تصوراً أشعرياً كلامياً وتصوراً صوفياً غنوصياً" فكلام الله في هذه الحالة صفة من صفات الذات الإلهية، فهو إذن كامل كمال الله، ولذا فهو شامل حاصر، جامع لكل شئ بلا أدنى شك.. فكل العلوم وكل المعارف أزلية، مكنونة في النص، حيث هو يقول ذلك صراحة: " العلوم كلها داخلة في أفعال الله عز
    وجل وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله"8 وربما يصعد رأي الغزالي في سلم التاريخ، بدوره، حتى يصل إلى عبد الله بن مسعود، صحابي رسول الله، الذي يقال إنه كان يرى القرآن أساس كل العلوم فيروى عنه قوله: "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن".وهذا ربما يكون مفتاح القضية، أو الباب الذي دخل منه الطنطاوي الجوهري لعالم تفسير القرآن.

    فإذا كان الغزالي ومن قبله ابن مسعود قد تحدثا عن العلم والعلوم، كل العلوم، وهي كلمة واسعة، ربما كانت تتسع ليراد بها وقت ما قيلت علوم اللغة والنحو والقصص والأدب أو العلوم الإنسانية، وربما غير ذلك في رأيهما.. وليست مصادفة أن يختار الجوهري لتفسيره اسم "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، فهو يعيد إلى الأذهان جواهر الغزالي أولاً، ثم يوشي ثانياً بأن مكتشفاته في علم التفسير أو في عالم التفسير نوع ثمين من الجواهر أو اللآليء، وثالثاً بأن القرآن هو البحر المحيط كما قال الغزالي، ويضيف الجوهري ضمنياً أن هذا البحر في أحشائه الدر كامن" أما ما يضفي جمالاً لغوياً خاصاً على المفسر والتفسير، فهو ذلك الإيقاع المزدوج بين "الجوهري" و"الجواهر". والجوهري يطور كما قلنا ويفصل عموميات قول الغزالي:

    " وليكوننّ هذا الكتاب واعياً حثيثاً إلى درس العوالم العلوية والسفلية، وليقومن من هذه الأمة من يفوقن الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك وغيرها من العلوم والصناعات، كيف لا وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة وخمسين آية، فأما علم الفقه فلا تزيد آياته الصريحة عن مائة وخمسين آية".

    هذا جانب من تفصيل الجوهري، فهو يستخدم لغة حاسمة تحمل سمات التأكد، والتأكيد باللام والنون : "ليكوننّ هذا الكتاب".. "وليقومنّ من هذه الأمة".." من يفوقنّ".. وهو يسمي مجالات العلم الكامنة في القرآن ويفصلها فهي ليست العلوم إجمالاً وإشارة وتلميحاً، وإنما هي تحديدات، وتدقيقات معينة، وتبرز عنده نقطتان:

    الأولى:" إنها علوم الزراعة، والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك.. وغيرها"

    ( ثم يعرج على أمر خلافي آخر، وهو تحديد آيات العلم أو العلوم المشار إليها)

    الأخرى: " في القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة وخمسين آية"، " أما آيات الفقه فلا تزيد عن مائة وخمسين آية".9 ونحن لا ندري من أين جاء بهذين الرقمين الدقيقين: سبعمائة وخمسين آية علوم كونية. ومائة وخمسين آية تشريع فقهي.

    أما الرقم الأول عن آيات العلوم فلا نظنه قد سبق إليه، فالاستقراء والحصر يعودان إليه وحده _حسب علمنا_ ويظل السؤال عالقاً: على أي أساس يتم تحديد معالم الآية الكونية؟ وأين الحدود الفواصل بين آيات الطب، وآيات الرياضيات، وآيات المعادن...إلخ؟ إن ما زاده الجوهري على الغزالي أو على ما أسسه الغزالي، ومن قبله ابن مسعود، هو إطلاق كلمات ومصطلحات وأسماء علوم تم للبشرية إنجازها، في مجالات الاكتشافات والبحوث المضنية، كلمات ومصطلحات، وجدت في اللغات الإنسانية، ومنها اللغة العربية بعد نزول القرآن بقرون وقرون، ثم بعد الغزالي بقرون. ولكن الجديد عند الجوهري هو تحميل القرآن دلالات جديدة، ربما لم تكن لها. وحتى ذلك يقوم به بشكل عمومي، فلم تقدم لنا هذه المدرسة العلمية في التفسير قاموساً للمصطلحات العلمية الحديثة هذه، وما يقابلها من المفردات، أو المصطلحات القرآنية _ إن شاءوا_ والتي تخفي وراءها من الكواشف ما قد يوافق هذه المصطلحات والأسماء العلمية الحديثة والمعاصرة.

    وأما تحديد آيات الفقه والتشريع الفقهي الصريحة بمائة وخمسين آية فقط، فإن هذا قد يثير إشكالية أخرى، ما زالت عالقة حتى اليوم، وإن كانت موازية لإشكالية آيات العلوم والكون، وهي: هل تؤخذ الآيات التي تفوح منها رائحة الأحكام الفقهية على عمومها؟ وهل يستطيع الفرد أن يحرم ويحلل حسماً وتحديداً، بناء على ظاهر آية قرآنية توحي بذلك؟أم أن المسألة من الدقة والحساسية بمكان؟أم أنه دور الفقيه والمشرع، أي دور أهل الاختصاص الذين يدخلون معايير أخرى كثيرة في مسألة استنباط الأحكام؟ وإذا كان ثمة توجه آخر لدى أهل الفقه والتشريع يقول بأن عدد الآيات في هذا المجال إنما هو يفوق الأربعمائة وخمسين آية، فكيف إذن يتم التوفيق بين أهل الرقمين؟ أو بين الاجتهاديين؟

    إن الجماهير العريضة في العالم الإسلامي قد لا تحبذ فتح الأبواب على كل مصاريعها، وقد لا تفضل لغة إطلاق الاحتمالات وطرح الأسئلة المعقدة، والدعوة إلى البحث، وإلى شئ من الشك العلمي. إنها على عكس ذلك قد تميل، وخصوصاً في ظروف معقدة من الضغوط الواقعة عليها من الداخل والخارج، إلى إجابات سريعة محددة ومبسطة وحاسمة. وتلك لغة التحديد، وهذه سمات الإجابات الحاسمة، يطلقها مفسر الجواهر:

    "وقد وضعت في هذا التفسير ما يحتاجه المسلم من أحكام وأخلاق وعجائب الكون وأثبتت فيه غرائب العلوم، وعجائب الخلق، مما يشوّق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق معاني الآيات البينات في الحيوان والنبات والأرض والسماوات".10

    ولكن ما هو منهج البحث العلمي، الذي اتبعه الشيخ الطنطاوي الجوهري؟ والذي بناء عليه تم التوصل إلى هذه الحقائق والإجابات الحاسمة في هذا التفسير طبعاً، وليس في القرآن ذاته؟ فقد تكون الإجابة عنده:

    " إن هذا التفسير نفحة ربانية، وإشارة قدسية وبشارة رمزية، أمرت به بطريق الإلهام وأيقنت أن له شأناً سيعرفه الخلق، وسيكون من أهم أسباب رقي المستضعفين في الأرض11".

    على أن هذه الإجابة تبعد الباحث عن إي منهج عقلي علمي موضوعي، فالمسألة لا تدخل وفق هذا المعنى في هذا الباب ما دامت إلهية ربانية قدسية إلهامية، فالناس ليسوا كلهم سواء في هذا المضمار فالمعيار ذاتي فردي بحت.

    ثمة حالة ترسخت منذ سقوط بغداد وقرطبة، بل منذ صودر فكر ابن رشد، وابن سينا، والفارابي، والكندي، منذ تغلب عقل الحسم الفقهي القطعي على العقل العلمي الفلسفي التحليلي النسبي ومنذ أخذت شعوب أخرى في بقاع أخرى من الأرض زمام البحث التحليلي النقدي، فصار زمام الحضارة وابداعاتها في أيدي أمم وشعوب أخرى غير المسلمين. منذ ذلك الحين وحتى اليوم لم يعد مسموحاً للعقل الإسلامي أن يتحرر وأن يفكر وأن يعترف بالاختلاف حقاً، ولم يعد مسموحاً له باختراق الإجماع ولو كان قائماً على غير العقل وأبسط قواعد الفكر، ومنذ ذلك الحين لم يتوان المسلمون عن مواجهة أنفسهم بالسؤال الدائم المؤرق:

    لماذا تخلفنا وتقدموا؟

    يجيب الآخرون وفي مقدمتهم ارنست رينان، وهانوتو: تأخرتم لأنكم مسلمون!

    هذا السؤال وهذه الإجابة بالأحرى أو هذا الاتهام جعل المسلمين يتحصنون في خنادق الدفاع.

    ويأخذ العقل الإسلامي عدة أشكال دفاعية.. الشكل السائد منها يقول بأن العكس هو الصحيح تماماً تأخرنا لأننا لسنا مسلمين، الإسلام برئ من تهمة التخلف، والمتخلفون هم هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مسلمين، ولو اتبعوا الإسلام الحق لنهضوا من كبواتهم بل ولسادوا العالم.

    ومن هنا تأخذ الدعوة إلى الإسلام الحق عدة أشكال بدورها، شكل يقول : بأن الأنظمة السياسية والاجتماعية هي الفاشلة وهي العائقة، وهي سبب التأخر، ولذا يجب مقاومتها، فالفريضة الإسلامية الغائبة هي الجهاد والقتال، قتال الأنظمة بل وقتال من يسكت عليها من شعوبها.. فعندما يسود الحكم بما أنزل الله سوف تتبوأ هذه الأمة أو تلك الشعوب مكانتها تحت الشمس. بالعودة شعوباً وحكاماً إلى ركب الإسلام الصحيح، والإسلام الذي يطرح في هذا السياق إذا هو شمولي عمومي عام. ذلك هو أحد أهم ملامح ما يسمى بالخطاب الإسلامي السياسي أو الإيديولوجية السياسية الاجتماعية، والتي أنجزت تفسير في "ظلال القرآن".

    وشكل دفاعي موازٍ (عن وعي أو بدون وعي) هو الذي يذهب في وادي الإيديولوجية العلمية، ولكن بطريقته هو كذلك: في أي شئ يتفوق الآخرون على المسلمين؟

    أما فيما يخص الحياة العلمية، البحث العلمي الحديث، ونتائجه خصوصاً في مجالات العلوم البحتة، التقنية وغيرها، فإنهم لم يأتوا بجديد، فكل أعمالهم موجودة في قلب الإسلام، بل في نص الإسلام الأول، وهو القرآن ، وها نحن نفصل، ونقدمه لكم.

    ويأخذ الشيخ الطنطاوي الجوهري أول زمام المبادرة. إنجاز تفسير كامل للقرآن من هذا المنطلق، وها هو يقول في مقدمته لهذا العمل الضخم:" يا أمة الإسلام.. آيات معدودات في الفرائض اجتذبت فرعاً من علم الرياضيات، فما بالكم بسبعمائة آية، فيها عجائب الدنيا كلها.. هذا زمان العلوم، وهذا زمان ظهور نور الإسلام، ليت شعري، لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية، ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟12 "
    ويرد الجوهري على هذا الاستفهام التعجبي بجملة تطمئن المسلم وتقف به ربما عند حد الطمأنينة، وإن كانت لا تدعو إلى وضع برامج علمية بحثية، ليطبقها المسلمون، بناء على ما يرى من ملامح واضحة خلال آيات العلوم الكونية، الهدف الدفاعي الأول.. وربما الأخير واضح في رد المفسر العلمي: " أقول الحمد لله أنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم.. دراساتها أفضل من دراسة الفرائضوهو "13.
    هنا لا ينسى بابين عظيمين دخل منهما السابقون إلى القرآن وعالمiالأول : باب الإعجاز البياني البلاغي، ورأيه فيه:"علوم البلاغة ليست نهاية علوم القرآن بل هي علوم لفظه.. وما نقوله اليوم علوم معناه، وانطباقها على العلوم التي أظهرها الله في الأرض"14إي يجب الخروج إذا من هذه الدائرة، دائرة الجانب البلاغي في القرآن والدخول في دائرة العلوم الكونية الحديثة والمعاصرة.

    الآخر: الباب الفقهي أو التشريعي، والفقهاء في نظر المفسر العلمي ناقصو معرفة، بل ومغرورون، وهو يعي أنه مؤسس منهج جديد، على أنقاض منهجهم الفقهي، فيقول:"إن هذه العلوم التي أدخلها في تفسير القرآن، هي التي أغفلها الجهلاء المغرورون، من صغار الفقهاء في الإسلام..فهذا زمان الانقلاب وظهور الحقائق".15القرآن إذا_ إنطلاقا من هذا_ ليس كتاب بلاغة ولا كتاب فقه، وإن وجد فيه ذلك فهو هامش ثانوي، أو هو ليس كذلك فحسب، وإنما هو كتاب العلوم.

    بهذا حدد الجوهري ملامح مدرسته أو توجهه، كان كافياً عمومياً وشمولياً، منذ قدامى المفسرين، تأكدت الدعوة إليه لدى الإمام الغزالي، ثم جاء الجوهري، فزاد التأكيد والتحديد، واعتبره واقعاً وواضحاً، فوضع بذلك أسس مدرسة سوف تسير فيما بعد في هذا التوجه دائماً.. وإن كانت سوف تتصور تطوراً علمياً من جانبها وعملياً، هو اتخاذ الإنجازات الدائمة للعلوم البحتة، سنداً يؤكد صحتها في نظرها، ويزيد الإصرار على أنها مدرسة لا محيد عنها، وسوف تزيد وسائل الاتصال الحديثة، فيما بعد الجوهري، واليوم خصوصاً، من جذب جماهير المسلمين السائرين في درب الدفاع أو تحت راية العقلية الدفاعية، الاطلاقية القطعية.

    الموقف من مدرسة التفسير العلمي:

    مما يلفت النظر حقاً في تاريخ حركة العقل الإسلامي انه كثيرا ما يتم تهميش منهج أو مدرسة فكرية بعينها..أو محوها من الذاكرة، وكأنها لم توجد قط.. والإصرار على السير في خط أحادي النظرة، لا يلتفت إلى ما حوله و لا يعتبر بأي تحول أو تغير.. فمدرسة الإصلاح ( محمد عبده وتلاميذه) لم تأخذ حقها اللائق من النقد والدرس والبحث العلمي داخل العالم الإسلامي و لا خارجه. ما زالت ملامح المدرسة الكلاسيكية التقليدية في التفسير مهيمنة ومسيطرة دون منازع حتى اليوم.

    ما زال تفسير الطبري وابن كثير سيدين مسيطرين، وما زال موضوع القصص القرآني مغروساً في النفوس والعقول كما زرعه الطبري و تابعوه من المفسرين. ما زال ينظر إلى هذا القصص القرآني على أنه تاريخ للتاريخ، أو أنه يجب أن يطابق حوادث التاريخ. وما زال العقل الإسلامي يجري لاهثاً خلف ما يكتشفه علم التاريخ، والآثار والحفريات، يحاول البحث عن خلق تواؤم بين ذلك و بين مفهوم القصص القرآني.

    وأين ما طرحته مدرسة البيان، و التفسير البياني..مدرسة الشيخ أمين الخولي.. وتلميذه النجيب محمد أحمد خلف الله الذي حاول في بحثه المعمق "الفن القصصي في القرآن" أن يحرر القرآن و قصصه – الذي يراه واقعاً بالدرجة الأولى في دائرة البيان – من التبعية للتاريخ وما يحقق في مجال الكشوف الأثرية؟ وهل نالت مدرسة البيان وموقفها من القصص القرآني وتفسيره تاريخيا ما تستحقه من دراسة
    و بحوث حتى على المستوى الجامعي الأكاديمي؟ إنه التجاهل الكامل والإصرار على خط واحد ورؤية أحادية، لا تتغير ولا تتبدل ولا تأبه بما حولها.. وكأن العلوم الإنسانية واقفة وثابتة ومطلقة.. وكأن الأوائل لم يتركوا للأواخر شيئا يذكر، أو يستحق البحث أو التأمل أو حتى الاختبار. ولكن مسألة "الفن القصصي في القرآن" إحدى أهم أطروحات "مدرسة البيان" أو "التفسير البياني" ليست موضوع اهتمامنا في هذه السطور.
    فنحن نريد العودة إلى إشكالية ما يسمى "بالتفسير العلمي للقرآن" .. تلك الإشكالية التي فتح بابها الأول كما رأينا من قبل، بشكل عام و ضمني و سريع حجة الإسلام الإمام الغزالي. والتي عاد إليها، وفصل فيها و بني عليها تفسيرا كاملا للقرآن الكريم كله الشيخ الطنطاوي الجوهري، فيما سماه "تفسير الجواهر".. ما زالت ملامح هذا الخطاب الديني "العلمي" قوية صريحة، بل أنها عادت اليوم أشد قوة وأكثر صراحة مما بدأت. فالشارع الإسلامي اليوم يعتقد دون أدنى شك في القيم الحيوية والضرورية "للتفسير العلمي للقرآن" ولإبراز جوانب "الإعجاز العلمي في القرآن". وكأنه خط مستمر للأمام لا ينقطع و لا يتوقف حتى للتأمل.. وكأنه لم يناقش و لم يرد عليه بحث ولم يناقشه باحث و لا علم و لا عالم.الحقيقة مع ذلك مخالفة تماما لكل هذا.. فقد ظهر نقد و تحليل ونقض للتفسير العلمي للقرآن، قدمه الرمز الثاني من رموز مدرسة التفسير البياني، هو السيدة عائشة عبد الرحمن، المعروفة بـ"بنت الشاطئ" تلميذة الشيخ أمين الخولي وزوجه.

    إن الحديث عن بنت الشاطئ يحتاج إلى إفراد فصول وفصول، لأسباب كثيرة، من أهمها، أنها من نوادر النساء المسلمات اللاتي تعرضن لمسألة تفسير القرآن بمنهجية واضحة المعالم ومحددة المعايير. إن ما قدمته هذه السيدة الباحثة المدققة من اهتمام بالإسلام و علومه، مع التزامها بإيمان عقلاني، يقيم سداً منيعا أمام أي اتهام يمكن أن يتوجه إليها. وهي ما بين دراستها القيمة "لرسالة الغفران" لشيخ المعرة أبي العلاء وما بين نقدها العقلي والعلمي اللاذع لمدرسة "التفسير العلمي للقرآن" و "تفسير الجواهر" على وجه الخصوص، هي جديرة بضرورة الوقوف عندها ملياً وقراءتها قراءة واعية متأنية. عرفها أكثر المسلمين كاتبة عن "أمهات المؤمنين" زوجات الرسول.. ولكن تم تجاهلها مفسرة وناقدة للتفسير.. فهل تم
    هذا عن عمد وسبق إصرار؟ أم أنها كالعادة في العالم الإسلامي المصادفة البحتة؟!، عائشة رائدة في مجال التفسير النسائي، أي تفسير المرأة للقرآن.. وقد جمعت بين مستويين من التكوين العلمي جعلاها أهلا للدخول إلى هذا العالم الذي احتكره غالباً الرجال وحدهم. لقد تكونت تكوناً أزهرياً تقليدياً، ثم تكونت مرة أخرى تكوناً حداثياً معاصراً بأكمل ما تحتويه الكلمة على المستويين.

    لقد كتبت في مجلدين تفسيرا طبع أكثر من خمس طبعات فهي من أكبر رواد التفسير البياني، بلا منازع، كتبت عن "القرآن وقضايا الإنسان" وعن "الشخصية الإسلامية". وهي في تفسيرها تنقد السابقين في نقطة نراها على جانب كبير من الأهمية وهي "خصوصية المفردات والتراكيب اللغوية والجو الداخلي للنص" إنها تدعو إلى رؤية كاملة متكاملة متماسكة للنص القرآني كبناء قائم بذاته.. والتركيز بالدرجة الأولى على موضوع السياق. إنها تقرأ القرآن قراءة لغوية أدبية أو ليس القرآن مجمع اللغة العربية ومركز البيان فيها ؟

    لابد لنا أن نحيل القارئ الكريم إلى "التفسير البياني" ليرى بنفسه كيف شنت المفسرة هجوماً علمياً عنيفاً على أهل التفسير العلمي، وتقول "إنهم يخدرون شبابنا، بألفاظ وعبارات خلابة ليست من العلم في شئ، ولن تساعد المسلمين على النهوض من كبوتهم" إنهم في رأيها "يردون على ما ينتج في أوروبا والغرب من جهود وكشوف علمية ترتقي بالحياة ونحن كسالى..نرد بأن كل شئ موجود عندنا وكامن في القرآن"..

    ولم تكن بنت الشاطئ رمز المدرسة الحديثة في التفسير هي وحدها التي عارضت التفسير العلمي للقرآن. بل إن رموزا كثيرة للمدرسة السلفية المعاصرة ( وكلمة سلفية هنا لا علاقة لها بما يطرح اليوم على ساحة الجماعات الدينية ) ونقصد بها الشيخ رشيد رضا، والشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق ( 1881 – 1945م )، والذي أفتى في عصره بضرورة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى كل لغات العالم.

    والذي ترك تفسيراً جزئياً للقرآن مركزا اهتمامه على السياقات التي تظهر قدرة الله ودلائل عظمته، والتي تدعو إلى الهداية والعبرة.. وتؤكد على أن القرآن لا يعارض العلم ولا يصادم نظرياته و لا كشوفه. ولكن رأي الشيخ المراغي – عارض بشدة مسألة التفسير العلمي، والذي يخاطر بالقول بأن القرآن كتاب نظريات علمية مع أنه حدد تعريف نفسه "هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" و "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين".

    ولن يكون آخر معارضي التفسير العلمي للقرآن هو الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق ( 1893 – 1963م ) والذي ترك بدوره تفسيراً جزئياً ركز فيه اهتمامه على المسائل الاجتماعية، وزاد التدقيق فيما سماه "مقاصد السور". ومن حقنا ومن حق القارئ

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 26 سبتمبر 2022, 07:52